ابن الزيات

80

التشوف إلى رجال التصوف

الشمس فوجدته يتوضأ . فلما فرغ من وضوئه نظرت إلى الإناء كأنه لم ينقص منه شئ . فلما غربت الشمس أذّن وأقام وصلى وصليت معه . فلما أراد أن يكبر نظرت إلى ثوبه الذي على كتفه يتحرك حركة شديدة يسمع صوته من شدة الخوف ثم قرأ قراءة مبينة يسردها حرفا حرفا . فلما سلم دعا لي ، فانصرفت إلى أبى فحدثته وقلت له : رأيته صلى عند غروب الشمس قبل الوقت الذي يصلى فيه أهل البلد . فأهوى إلىّ بيده ولطمنى وقال لي : أتتكلم في ولى من أولياء اللّه تعالى ؟ وهل وقت المغرب إلا ذلك الوقت الذي صلى فيه أبو الفضل ، وإنما الناس ابتدعوا في التأخير عن ذلك الوقت . ثم أمرني أبى أن أحكى له فعل أبى الفضل من أوله إلى آخره ففعلت . فقال لأمى - وكانت حاضرة : هذا صبي نرجو من اللّه تعالى أن ينفعنا به ، فإنه وجد بركة أبى الفضل . ولقد رأيته حين دخل علىّ وعليه نور ، فعلمت أن اللّه قد أجاب فيه دعوة أبى الفضل . وحدثني أبو عبد اللّه محمد بن أبي القاسم قال : حدثني أبو علي سالم بن سلامة السوسي ، أن أبا الفضل لما قدم سجلماسة نزل مسجد ابن عبد الملك ليدرس أصول الدين وأصول الفقه . فمر عليه عبد اللّه بن بسام - وكان من رؤساء البلد - فقال : ما العلم الذي يقرئه هذا الإنسان ؟ فقيل له : أصول الدين وأصول الفقه ، وكانوا قد اقتصروا على علم الرأي . فقال : أرى هذا أراد أن يدخل علينا علوما لا نعرفها . فأمر بإخراجه من المسجد . فقام أبو الفضل من مكانه ثم قال له : أمتّ العلم ، أماتك اللّه هاهنا . وكانت عادة أهل البلدان أن يعقدوا أنكحتهم بالمسجد . فكلم قوم عبد اللّه بن بسام أن يحضر لهم لعقد النكاح صبيحة اليوم الثاني . فأسحر وقعد بالمكان الذي دعا عليه فيه أبو الفضل . فمرت به من صنهاجة قبيلة من ملوانة فقتلوه بالرماح . فتوجه أبو الفضل إلى فاس فنزل في عقبة ابن دبوس القاضي ، فجرى له مع أهل فاس مثل ما جرى له مع أهل سجلماسة ، ولقى من ابن دبوس مثل ما لقى من ابن بسام . فدعا على القاضي المذكور فأصابته أكلة في قرن رأسه فانتهت إلى حلقه فمات .